إعلامي يختبر صبر الجمهور: متى يتوقف خطاب الاستفزاز؟
في السنوات الأخيرة، شهدت الساحة الرياضية السعودية نقلة نوعية غير مسبوقة، سواء على مستوى الاستثمار، أو جودة المنافسات، أو الحضور العالمي الذي باتت المملكة مركزًا له. ومع هذا التطور، كان من الطبيعي أن يتطور الخطاب الإعلامي بدوره، ليصبح أكثر نضجًا ومسؤولية واتزانًا. لكن المفارقة المؤسفة أن بعض الأصوات الإعلامية ما زالت تصرّ على البقاء في مربع الإثارة الرخيصة، وتغذية التعصب، واستفزاز الجماهير، وكأنها تعيش خارج هذا التحول الكبير.
من بين هذه الأصوات يبرز مقدم برنامج أكشن، الذي بات حضوره الإعلامي مرادفًا للجدل المفتعل، والتصريحات التي تتجاوز حدود النقد المهني إلى خطاب يزرع الانقسام بين أبناء المجتمع الرياضي. ليست المشكلة في رأي يطرحه، فالرأي حق مشروع، بل في الأسلوب الذي يتعمد فيه التصعيد، والتقليل، وإشعال الفتنة الرياضية تحت غطاء “الإثارة الإعلامية”.
تاريخ من التجاوزات بلا محاسبة
لم تكن تصريحاته الأخيرة سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التجاوزات. فقد سبق له أن وصف دوري سمو ولي العهد – وهو مشروع وطني ضخم ورمز لمرحلة رياضية جديدة – بتعبير غير لائق (“دوري أم أحمد”)، ورغم حساسية العبارة، مرّ الأمر بلا مساءلة واضحة. هذا الصمت شجّعه على المضي قدمًا في الخطاب ذاته، حتى وصل إلى استفزاز نجم عالمي بحجم كريستيانو رونالدو، الذي يمثل قيمة رياضية وتسويقية وإعلامية تخدم المملكة أكثر مما يخدمها أي مقدم برنامج.
استفزاز رونالدو… سقوط مهني لا يمكن تبريره
الهجوم على رونالدو ليس مجرد رأي، بل سوء تقدير لمكانة المملكة نفسها. فوجود لاعب عالمي بهذا الحجم هو جزء من مشروع وطني كبير، يهدف إلى تعزيز صورة السعودية عالميًا، ورفع مستوى الدوري، وجذب الاستثمارات، وتطوير المواهب. التقليل من قيمة هذا المشروع أو من رموزه هو تقليل من رؤية الدولة نفسها.
حين يخرج إعلامي ليقول إن “على رونالدو أن يعرف مكانه”، فهو لا يسيء للاعب فقط، بل يسيء لجهود سنوات من العمل المؤسسي، ويقدّم صورة إعلامية لا تليق بدولة تقود أكبر مشروع رياضي في المنطقة.
الإعلام مسؤولية… لا منصة لتصفية الحسابات
الإعلام الرياضي ليس ساحة لتفريغ الغضب أو تصفية الحسابات أو صناعة “ترند” على حساب وحدة الجمهور. الإعلام مسؤولية وطنية، ودوره أن يرفع الذائقة، لا أن يهبط بها. أن يقرّب الجماهير، لا أن يزرع بينهم الكراهية. أن يواكب رؤية 2030، لا أن يعيدنا إلى خطاب البرامج الصفراء.
متى يكون هناك رادع؟
السؤال الذي يتردد اليوم بين الجماهير:
إلى متى يستمر هذا الخطاب دون محاسبة؟
المشهد الرياضي السعودي اليوم أكبر من أن يُشوَّه بتصريحات فردية. والمجتمع الرياضي يستحق إعلامًا يليق بتطوره، لا إعلامًا يعيش على الاستفزاز والضجيج.
النقد حق، والاختلاف طبيعي، لكن التحريض والتعصب ليسا رأيًا.
والإعلامي الذي يصرّ على هذا النهج لا يسيء لنفسه فقط، بل يسيء للمهنة، وللجمهور، وللصورة التي تبنيها المملكة عالميًا.
لقد آن الأوان لخطاب إعلامي جديد… خطاب يحترم العقول، ويحترم المنجز، ويحترم الوطن.